وهبة الزحيلي

295

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وفي الآية دلالة أيضا على أن المميز غير البالغ يعوّد على الأدب والنظام والانضباط والإعداد لتحمل المسؤولية والتكاليف الشرعية ، قال تعالى : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [ التحريم 66 / 6 ] أي أدبوهم وعلموهم . وهذا التأديب والتعليم والبيان والتشريع بفضل اللّه تعالى ، لذا قال : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي مثل ذلك التبيين لما ذكر من الأحكام يبين اللّه لكم الشرائع والأنظمة في آياته البينة الواضحة الدلالة على معانيها ومقاصدها ، واللّه عليم بأحوال عباده وبما يصلحهم وما لا يصلحهم ، حكيم في تدبير أمورهم وتشريع الأصلح الأنسب لهم في الدنيا والآخرة . الحكم الثاني عشر : انتقل البيان لمعرفة حكم استئذان البالغين الأحرار ، فقال تعالى : وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي إذا بلغ الحلم الأطفال الذين كانوا يستأذنون في العورات الثلاث ، فيجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال ، مع الأجانب والأقارب ، كما استأذن الكبار الذين سبقوهم من ولد الرجل وأقاربه . فهذه الآية مبينة لآية : أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ [ النور 24 / 31 ] أي أن الطفل الذي لم يظهر على العورات مستثنى ، فإذا ظهر على العورات ، وذلك بالبلوغ ، فيستأذن . وأفرد « الطفل » في الآية ؛ لأنه يراد به الجنس . ولم يذكر المماليك هنا ، وإنما بقي الحكم السابق مقررا عليهم وهو الاستئذان في أوقات ثلاثة ؛ لأن حكم كبارهم وصغارهم واحد . وبلوغ الحلم إما بالاحتلام أو ببلوغ خمس عشرة سنة في رأي أكثر العلماء ؛ لما روي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه عرض على النبي صلّى اللّه عليه وسلم يوم أحد ، وله أربع عشرة سنة ، فلم يجزه ، وعرض عليه يوم الخندق ، وله خمس عشرة سنة فأجازه .